أنطولوجيا الشعر السعودي
مختارات شعرية سعودية
تعتبر مرحلة السبعينات، من القرن الماضي، هي مرحلة التجديد والتحديث في الشعر السعودي، وهي المرحلة المرتبطة بتحوّلاتٍ كبرى حدثت أنذاك – وبشكل متزامن وإن لم يكن متكافئاً – والتي بدأت من عند البوابة الاقتصادية بمظلّة “الطفرة” الهائلة )1975 ـ 1982) بمفاعيلها المختلفة ومردوداتها الاجتماعية المتذبذبة بين الانفتاح والمحافظة؛ ما أدخل المجتمع في جدلٍ لا ينتهي إلا ليتجدّد تحت عناوين تواكب المتغيرات بشعاراتها المرفوعة، وتَختزل بصفة عامة الانشغالَ الديني والسياسي أكثر من أي شيء آخر يقوده المحافظون والمتشددون – “الصحوة” بمركبّاتها الثابتة وبوجوهها التي تتغيّر مع كل مرحلة – فكانوا على الضد من “الحداثة” في الثمانينيات والتسعينيات.. وعلى الضد من “الليبرالية” في العشرية الأولى والثانية من القرن الحالي. الفرق فقط في تعميم المناوئة. فبعد أن كانت الحركة الشعرية (والأدبية الحداثية) هي من تتقبّل الطعنات وحدها؛ أضحى الميدان، منذ قرابة العقدين، أشمل وأكبر ليضمّ كل فئات الانفتاح والتنوير. وقد تحمّل جيل التجديد والتحديث – شعراء ونقاداً – العبء مرتين؛ عبء تجديد النص والسير به إلى مدى جمالي أبعد مما كان عليه مع الجيل السابق.. وعبء الدفاع عن هذا النص أدبيّا واجتماعيّاً ودينياً. وقد مثّل العبء الثاني نزيفاً للحركة الشعرية والثقافية، وجاءت حرب الخليج الثانية (1990 ـ 1991) بأحداثها وأصدائها في الساحة المحلية لتكون إشارة تحوّل مجتمعية وإبداعية التقطها السرد الروائي ليتصدّر المشهد الثقافي.. وفي الوقت نفسه فإن الحركة النقدية الفائرة في الثمانينيات التي كانت تتابع الحركة الشعرية قصيدةً قصيدة وأمسيةً أمسية؛ شهدت أيضا تحوّلا لأبرز أقطابها إذ ابتعدوا عن الشعر – قليلاً أو كثيراً أو حتى ابتعادا كاملا – وتفرّغوا لمشاريع نقدية طبعت نتاجهم ابتداءً من تلك الفترة. الأمر الذي فرض أن يصبح الشعر في الظل بعيدا عن الانتشار السابق وبعيدا عن المراجعة النقدية بإجمال. وربما هذا يسّرَ وعلى مدار العقدين الماضيين بأن تظهر كل بضع سنوات أسماء جديدة تلتحم بأسماء سبقتها ولكن تجتمع معها على قصيدة جديدة لا تكف عن التطوّر متخفّفة من المعايير والنماذج ومن المسطرة النقدية، وبات عنوانها الحرية، يستوي في هذه تلك الأسماء التي تنتمي جيليّا إلى التسعينيات أو إلى ما بعدها من جيل العشريّة الأولى والثانية.
باتت المدوّنات والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر هي المنصّة التي تتجلّى فيها هذه الحريّة. ففي فضاءٍ مفتوحٍ ومُشرَعٍ على التنافذ، لم تعد الكتابة حبيسةَ الأدراج والغرف المغلقة أو رهنَ الانتظار تتحيّنُ فرصةَ النشرِ أو رحمتَه. كما ولّى إلى غير رجعة دورُ الرقيب الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي يفحصُ النصَّ ليتأكَّد من خلوِّهِ من علامات الخطر التي تقضُّ مضجع الأبويّة التي تريدُ الحياةَ ـ ومعها النص ـ منسجمةً مع العينِ المحافظة ونظرتِها التفقديّة تعزلُ ما تظنّهُ نشازاً أو غريباً أو هذياناً؛ يعكّرُ ماءَ الكتابة الذي كادَ أن يأسَنَ لفرط بقائِهِ في البحيرةِ ذاتها لا يتجدّدُ ولا يتّصلُ بمصبّاتٍ تقلبُ أعماقَهُ وترجُّ ركودَه.
لم تكتسب الكتابة عبر وسيط النت طابَعَ السهولة والمواتاة في جميع الأحوال وحسْبُ. إنما تخلّقتْ، هذه الكتابة، بحسٍّ تجريبي اختباري مدفوعةً بنسائم الحريّة وتطامن السقوف وتلاشي القيود ومعها أيضاً شفّتْ الحدود بينَ الأجناس الأدبيّة والفنيّة، وتعزّزت أكثر بالتدافُعِ الخلاّق يشتركُ فيه أكثر من اسمٍ ومن أعمارٍ مختلفة لا تحتكم إلى جيلٍ محدّد ولا يمنعُها من التواصل اختلافُ ذائقةٍ ولا أعباءُ شهرةٍ أو معازلُ جغرافيا.. يشترك هؤلاء جميعاً في ورشةِ عصفٍ إبداعيّة ونتاجُها مطروحٌ أوّلاً بأوّل يأتي في طلاقةٍ وسيولةٍ، وفي انفتاحٍ للتجربةِ لا يني يتوسّعُ ويتمدّد.
ومن هذا الأفق ـ بإجمال ـ تأتي هذه المختارات من الشعر السعودي التي ينتمي ما يقارب النصف من شعرائها، أو يزيد، إلى العشرية الثانية شعرا وإلى الثمانينات أو أواخر السبعينيات ميلاداً. ولعلها تعبّر في مجموعها عن الحالة الشعرية في المملكة العربية السعودية؛ موضوعاتٍ ورؤى وأساليب تطبع التجربة العامة ولكن لها أصواتها؛ الصوت الشخصي الذي يؤشّر على خصوصية تجربة رغم الانتماء إلى الفضاء نفسه. يقف عندها القارئ ويكتشفها بنفسه.
إصدار رمال تركض بالوقت
رمال تركض بالوقت للشاعر عبدالله السفر
ترجمه من العربية معز ماجد
منشور ضمن سلسلة Al Dante
بإدارة لوان كووي
ضمن مجمع Les Presses du Réel
التصميم: Atelier AD
التدقيق اللغوي: بيرينيس ماركييفيتش
هذا الكتاب منشور بدعم من مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي “إثراء”
الحقوق: مركز الملك عبد العزيز العالمي للثقافة + Les Presses du Réel
المطبعة: Smilkov (Europe)
الإيداع: الربع الثاني 2021
